راتب زميلي أعلى من راتبي..!! [1] المشكلة وأسبابها

راتب زميلي أعلى من راتبي

“راتب زميلي أعلى من راتبي” …. لا اعتقد أنني الوحيد الذي تكرر معه سماع هذه العبارة أو ما يشابهها في عدد من الشركات والمؤسسات أو ربما معظمها، وهو طرح وسلوك يسبب إزعاج وامتعاض المدير المباشر حين يسمع مثل هذه العبارات وما فيها من التذمر والشكوى من موظفه بالرغم أن المدير قد يمارس نفس الإشكال فيقارن أجره وميزاته مع أقرانه من المدراء ويحاول إيصال نفس الرسالة للمدير الأعلى، ألا تلحظون ذلك؟!، فمن وجهة نظري هو أمر فطري وطبيعي وواقع لا يمكن أن نمنعه، وليس بالضرورة أن نقرأ هذه الشكوى والتذمر كضرب من الحسد أو شيء من استشراف ما لدى الآخرين!، ولربما نسمع عبارات مثل “ليش راتبي وميزاتي أقل من فلان وفلان من الزملاء … الله يبارك لهم ويزيدهم من فضله لكن أيش ينقصني عنهم؟! … فما كل متذمر بالضرورة حسود وبالتالي فإننا بحاجة إلى الرد على التساؤل بشكل منطقي وعادل والتعامل مع المشكلة وما يصاحبها من أعراض جانبية أخفها أن يجد الموظف لنفسه مبرر لتقديم أداء ضعيف أو كما يُقال “مشي حالك” وذلك كردة فعل، وتتوسط ردة الفعل إلى مستوى التذمر والكلام هنا وهناك والتظلم مع ضعف أداء مصاحب وإثارة أجواء سلبية في بيئة العمل، وقد يصل الأمر لمستوى متقدم بأن يبدأ الموظف – وبصمت – بالبحث عن مكان آخر وفرصة عمل ومكان بديل يعتقد أنه قد يقدره بشكل أكثر عدالة؟، وهي إشكالات وأعراض يُفضل المرء معها أن يطرح الموظف ما لديه ولا يبقيه حبيس النفس حتى يتم الحوار معه وتتم عملية المعالجة والتوجيه المناسب للطرفين.

سوف اطرح في الجزء الأول من المقال – ومن واقع مشاهداتي – بعض المسببات والممارسات المحفزة لظهور هذه الإشكالية، ثم أتطرق في الجزء الثاني من المقال لبعض المعالجات المقترحة للتعامل مع المشكلة.

أبرز مبررات ومحفزات “راتب زميلي أعلى من راتبي”

أولاً: توظيف موظف جديد بنفس المؤهلات والإمكانات وبخبرة مشابهه أو ربما أقل وبمهارات وقدرات أقل لكن بأجر ومميزات أعلى من بعض الموظفين الحاليين، وهو وضع يحدث لأسباب أبرزها:

1- عدم وجود وضوح حقيقي لدى المدراء بإمكانات وقدرات ومستوى إنتاجية الموظفين الحاليين وانما لديهم تصور ضبابي عام عالق بالذهن، وبالتالي لا يُحسن المدير المقارنة السريعة بين المرشح الجديد والموظفين الحاليين أثناء المقابلات والتفاوض على العقد وخلال فترة التجربة.

2- عدم تحديد واعتماد موازنة محددة لأجر الموظف المطلوب توظيفه، يُراعى فيها الاتساق مع أجور الموظفين الحاليين، بحيث لا يُقبل بأي حال من الأحوال الاتفاق مع موظف جديد على أجر أعلى إلا بمبررات وأسباب واضحة تتضح من خلال فرز السيرة الذاتية ثم مقابلة لجنة التوظيف “The Interview Panel”، بحيث لا يتم تجاوز نطاق الموازنة المعتمد في خطة التوظيف تحت ضغط قوة تفاوض المرشح وتطلعاته أو طلباته خاصة لو كان مسوقاً جيداً لذاته، فتكون ردة الفعل واعية تتقيد بسياسة الأجور والنطاق ومساحة المرونة المتاحة ولا نخرج عنها دون مبرر قوي كخبرات أو مهارات متميزة لدى المرشح.

3- انفراد المدير المباشر للوظيفة المستهدفة بالقرار وربما تفرده بإجراء مقابلة التوظيف – لا مجرد أن يكون الشخص المحوري في القرار – فتتحول عملية إبرام العقد والاتفاق إلى عملية تفاوضية غير منضبطة، تزداد ضراوتها كلما نجح المرشح في تسويق نفسه ونال إعجاب المدير المباشر وأصبح استقطابه وتوظيفه – كنتيجة لذلك – مطلبا للمدير المباشر، وكلما كان المرشح مفاوضاً جيداً أصبح يفاوض حضرة المدير على مراحل، فيتم تقديم عرض أولي ويُرفض من قبل المرشح، ثم يتم تعديل العرض بعرض ثاني ليكسر أجر المرشح في عمله الحالي وبمستوى يحفزه على الانتقال – وهذا حق له وأمر منطقي – ثم يرفضه هذه المرة بلباقة نتيجة لوجود عرض أعلى من جهة أخرى توافق واجرت معه مقابلة بالتزامن مع مقابلتهم له، مما يدفع حضرة المدير لأخذ موافقه على تعديل العرض الثالث المعدل تحت شعار أن المرشح فرصة ما تتعوض “لقْطة” وسيغير وجه الكون ويحدث قفزة في الشركة … والحقيقة لقد أصبح استقطابه هدفاً.

تتم عملية التوظيف … ويتضح مع مرور الأيام أن زميلنا الجديد إنسان عادي جداً من حيث الأداء وكذلك جودة العمل، لكن كل ما في الأمر – ربما – أن المرشح كان موفقاً في ترتيب السيرة الذاتية ومتحدث لبق وذكي في التواصل أثناء المقابلة ومفاوض جيد أثناء التفاهم على العرض الوظيفي، عند ذلك كيف سنجيب على التساؤلات والتعجب في أذهان موظفينا السابقين حول مبررات توظيف شخص جديد لا يمتلك شيء مختلف وبمميزات وظيفية أفضل من السابقين، بل ربما بنسبة أجر عالية وبلا أسباب موضوعية ومهنية؟ وما هو الأثر النفسي على الموظفين وعلى أدائهم؟ ويصبح الوضع بعيد عن المنطقية -على الأقل في نظر الموظفين – حين يُطلب فيها من موظف قديم أن يدرب الموظف الجديد ويأخذ بيده – ولا نتحدث هنا عن مجرد تسليم مهام!.

ثانياً: توالي الزيادات لبعض الموظفين وعلى مدى زمني معين مقارنة بزملاء لهم يقدمون نفس الأداء والإنتاجية وربما أعلى، وهنا نقف أمام ثلاث حالات:

مدير قوي داعم مقابل مدير ضعيف ومهمل: توالي الزيادات لبعض الموظفين وعلى مدى زمني معين مقارنة بزملاء لهم يقدمون نفس الأداء والإنتاجية أو ربما أفضل، وذلك نتيجة لدعم وقوة مديرهم المباشر ونجاحه في القيام بدور المحامي القوي الذي يُحسن المرافعة عن موظفيه ويسوق لأدائهم بشكل ممتاز فينتزع لهم الزيادات الملائمة من الإدارة العليا، في مقابل مدراء ومشرفين ضعفاء وضعيفي حيلة وحجة أو ممن لا يضعون شئون الموارد البشرية تحت إدارتهم في قمة الاهتمام وإنما يركز على الإنتاج ويهمل صيانة المكن “الموظفين” التي تنتج.

مدير مبالغ جداً في التسويق لموظفيه مقابل مدير منطقي وعادل: توالي الزيادات لبعض الموظفين وعلى مدى زمني معين مقارنة بزملاء لهم يقدمون نفس الأداء والإنتاجية أو ربما أفضل، كنتيجة لقوة بعض المدراء في التسويق وربما بشكل مبالغ فيه “Overselling” لأنفسهم وموظفيهم في محاولة لانتزاع زيادات لمرؤوسيهم وبالضرورة لأنفسهم، في مقابل مدراء ومشرفين موضوعيين جداً ومنطقيين في تقييم موظفيهم ومنصفين – حتى ربما – في تقييم أنفسهم.

تقييم من مدير متحيز  ولديه ازدواجية مع مرؤوسيه: توالي الزيادات لبعض الموظفين دون زملائهم في نفس الإدارة من قبل نفس المدير المباشر بسبب التحيز أو ربما ذكاء بعض مرؤوسيه في التفاوض والتسويق للذات، وهي وضعية إن كان سببها التحيز فتتحمل الإدارة العليا والموارد البشرية مسؤولية استقراء وجود مثل هذه الحالات ومعالجتها لكونها مما يرفع مستوى السمُّية في بيئة العمل “Toxicity”، وإن كان السبب ضعف بعض المرؤوسين في تسويق أدائه مقارنة بزميله فيعود جانب من الحل للموظف نفسه، وفي مثل هذه الحالات لا يُخفف من المشكلة إلا قوة ودقة آلية تقييم الأداء ووجود سجل بدلائل الأداء “Performance Record & Registry” ومعها يحتاج كل موظف أن يرفع لياقته ومهارته في تقديم ذاته وأدائه.

لم نتحدث هنا عن زيادة لموظف ممتاز أو متميز مقارنة بآخر ضعيف أو متوسط الأداء فهي قضية منطقية وعادلة والدفوع فيها واضحة وجلية وليست محل النقاش هنا،  وللموضوعية لا بد أن نعتبر الإدارة العليا ومعها إدارة الموارد البشرية وفي الحالات الثلاث أعلاه شريك أساسي بهذا الخطأ، فلا يصح أن تتقبل الإدارة العليا للشركة وجود حالة من عدم الاتساق في نمو أجور بعض الموظفين دون البعض لمجرد قوة حجة بعض المدراء أو المبالغة من قبل البعض في تسويق إنجازهم وإنجاز موظفيهم، ويجب على الإدارة العليا وبالاستعانة بإدارة الموارد البشرية التأكد من موضوعية وعدالة واتساق الزيادات وأن تكون مبنية على تقييم محترف ومهني وعادل، كذلك يلزم إيجاد سبل وتقنيات لمعايرة نتائج تقييم المدراء المتحفزين في مقابل المتحفظين “Cooperative Vs Aggressive Style”، فكلنا يعلم أن نمط شخصية المدير المقيم هو جزء من نتيجة التقييم فالمدير المفرط في الكرم في التقييم “الحاتمي” قد لا يقيم أحداً من موظفيه بأقل من جيد جداً منخفض “Very Good(-)”، بينما المدير المتحفظ قد لا يعطي تقييم أعلى من جيد جداً “Very Good(+)” مرتفع ويندُر أن يقيم أحداً بدرجة ممتاز “Excellent” دع عنك تقييم متميز “Outstanding” بل حتى لو قيم نفسه لكان متحفظاً ويرى أن الكمال والممتاز نادر كندرة الفسفور الأحمر.

تابع قراءة الجزء الثاني من المقال ” راتب زميلي أعلى من راتبي [2] الحل والمعالجات”

هل لديك أي سؤال حول هذا الموضوع؟ تواصل معنا

مشاركة المقالة

4 أفكار عن “راتب زميلي أعلى من راتبي..!! [1] المشكلة وأسبابها”

  1. جزاك الله خيرا على المقال الرائع ، اعمل بمصنع أدوية ومشكلتي لا يسمح للموظف السعودي بالحصول على منصب مدير أو حتى مساعد مدير ، ولا يحصل أيضا على التقييم العادل ، حيث يتم توظيف السعودي بأجور أدنى من متوسط السوق ، ولا يتم توظيف السعودي الا إذا كان الخيار الأخير وكان متطلبا من الجهات الرسمية. ويعود السبب بأن مدير المصنع مقيم عربي ولا ينصف الا بني جلدته ، رغم إعتماده على السعوديين والجنسيات الأخرى. والنتيجة بيئة عمل سامة ومحبطة ومذمرة وتنعدم الشفافية وفرص التدريب ، ويتم توظيف من الخارج عوضا عن ترقيات داخلية.
    ما هو الحل من خبرتكم؟ غير الانتقال لشركة أخرى لأن القطاع نظيف وواعد.

    1. الله يسعدك أخي عصام ويوفقك …. وما ذكرت مشكلة تتكرر للأسف في عدد من البيئات لمن يلاحظ
      من حيث التوقيت الزماني …. استغرب وجود هذه النوعية من المدراء بهذه العقلية
      فالحاجة لتوطين بعض الوظائف مفروض أصبحت جزء من أهداف اي مدير مصنع او شركة ايا كان تخصصها
      ليتوافق وياكب متطلبات لا أقول السعودة بل التوطين لبعض الوظائف
      ومعظم الشباب الفترة الحالية لديه الطموح والتوجه “the attitude ” وكذلك الأهلية بحكم فرص التدريب “المهاريSkills-based training ” والمتاحة والمدعومة من منصات حكومية سواء المرتبطة بوزارة الموارد البشرية او منصات مرتبطة بوزارات أخرى ……
      فالمدير الواعي يعتبر هذه فرصة ان يستثمر في الشباب شبه الجاهز …
      نصيحتي لك اخي الكريم
      1- الاستمرار بتقديم عمل بمستوى ممتاز … لا تقبل على نفسك ان ينزل مستوى أدائك كردة فعل باعتبار الأداء جزء من شخصيتك وان ساءت ظروف بيئة العمل …. واستدامة قوة أداءك يقوي موقفك
      2- تطلب اللقاء مع مديرك المباشر او المدير الأعلى منه – بشكل مهني …. وتحرجه بأنك تتوقع منهم دعم وتمكين لم يحصل …. طرح التوقعات من هذا النوع خاصة وأدائك ما عليه غبار …. سيشكل ازعاج ذهني للمدير وسيجعله يعيد النظر ، ويصحح الخطأ
      لكني اكرر ضرورة اهتمامك بالبند (1)
      3- ممكن ولك تقدير الموقف ان تتحدث من مدير الموارد البشرية ، وارجو ان يكون فاعل وقوي …. فهذا الطرح من حقك ومهني …. تطرح له انزعاجك من عدم وجود التقدير وغياب تمكينك من دور أفضل …. مفروض مدير الموارد البشرية يؤدي دور وبحكمة فجزء من مهمته “التأكد من تمكين الكوارد من تقديم أقصة وأفضل أداء وازالة اي عوائق ”
      4- اذا تقول القطاع نظيف وواعد فنصيحتي لك لا تستعجل تترك المكان لمكان آخر …. مع أداءك الممتاز ستجد مكانك وهي مسألة وقت …… ولا تنتقل من مكان عملك كردة فعل …. لكن اذا استعصى الأمر فانتقل بوعي وبشكل مدروس لمكان تتأكد انه جيد
      5- نصيحة أخيرة حول مزيد من التطوير الذاتي المهاري …. لست ادري طبيعة وظيفتك حتى اقدم رأي متواضع ارجو ان يفيدك
      لو احببت تراسلني فانا بالخدمة …. فرصة ومصادر التطوير متاحة ومدعومة … وكذلك مجالات التطوير الذاتي اصبحت متاحة وهذا امر يرفع قيمة لاانسان لدى نفسه …. وكذلك يرفع قيمته السوقية في نفس شركته او اي مكان آخر سنتقل له

      أسأل الله لك التوفيق أخي الكريم وان يجعل الغد والقادم أفضل

  2. عبدالله الزهراني

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    اشكرك اخي عبدالباسط على هاذا المقال تدرجت فيه من جوانب عدة وزي ماتطرقت هاذي تواجه كثير من الموظفين ولا احد تقريبا سلم منها اعتقد يتطلب من الادارات العليا بالإضافة للموارد البشريه بشركات وضع خطط لتفادي تكرارها قدر المستطاع لان الكارثة التي تعود على الموظفين السابقين في الأداء تقل وهنا اكون قد خسرت الموظف الجديد وتغيرت ثقتي فيه وخسرت السابقين لاني زرعت فيهم الاحباط بدون قصد
    وتقبل تحياتي

    1. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته اخي القدير عبدالله
      اتفق معك اخي الكريم … مسؤولية الإدارة العليا تأتي بالدرجة الأولى
      والموارد البشرية كجهة فنية مسؤولة كذلك …. في وضع الاجراءات الاحترافية وكذلك التقييم الدوري من خلال اما استبيانات استقصاء رضى الموظفين … او مجاميع نقاش
      اثر الاشكالية ينعكس على موظفينا الحاليين احباط وتدني مستوى المعنويات وبالتالي الأداء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

فتح محادثة سريعة
تحتاج للمساعدة؟
السفياني لاستشارات الأعمال
مرحباً..
للرد السريع من فضلك أرسل لنا عبر الواتساب.