راتب زميلي أعلى من راتبي..!! [2] الحل والمعالجات

راتب زميلي أعلى من راتبي.. الحل والمعالجات

تحدثت في الجزء الأول من المقالة حول وصف المشكلة وما قد ينتج عنها من أعراض سلبية كتدني مستوى الأداء والتشويش في بيئة العمل نتيجة للتذمر وهجرة بعض الكوادر من الشركة أو المؤسسة، وتطرقت في المقالة للأسباب والمحفزات لوجود ظاهرة “راتب زميلي أكثر من راتبي” – إن جاز وصفها بالظاهرة – وهي إشكالية منطقية تتسق مع طبيعة الإنسان، حتى أن المدير الذي يرفضها من موظفيه يمارسها مع الإدارة العليا بامتياز وإبداع، وهي ظاهرة تنتشر في بيئات العمل لدرجة أن دقيق الملاحظة من مدراء الموارد البشرية أو من يعملون بحقل الاستشارات الإدارية يلحظ وجود بعض حالات التشكي حتى في المراحل الأولى لالتحاق بعض الموظفين الجدد بالوظيفة، وربما لم يجف بعدُ حبر توقيعه للعقد الذي وقعه برضاه وبمحض إرادته وبكامل قواه العقيلة مغموراً بالسعادة بأنه حظي بفرصة عمل بعد أن كان في قوائم العاطلين عن العمل أو بمميزات أفضل من مكان عمله السابق، وتلقى التبريكات من الأصدقاء والأحباب، ثم ما إن باشر العمل و دخل المنظومة وعرف – بشكل أو آخر – كم يتقاضى فلان وفلان مقارنة بأجره …. سرعان ما تغيرت مرجعية المقارنة في ذهنه وتكونت لديه فكرة واستحقاق واجب على الشركة مفاده أنه يستاهل ويستحق أكثر … إنها طبيعة بشرية يصعب منعها أو المبالغة في الامتعاض والانزعاج الشديد من طرحها، وما ينبغي علينا هو التعامل مع هذه المشكلة واتخاذ التدابير الملائمة لمعالجتها والعمل على الحد من أسبابها والحد من آثارها السلبية على أداء الموظف نفسه والتشويش في بيئة العمل، وحتى لا نقف عند عتبة وصف المشكلة سوف تطرح هذه المقالة بعض الخواطر حول المعالجات والحلول على النحو التالي:

أولاً: الحلول والمعالجات بالنسبة للإدارة العليا للشركة

1- ضرورة اهتمام الإدارة العليا للشركة بتفعيل مبادئ العدالة “Fairness” والاتساق “Consistency” وأن يكون لديها الجاهزية الكاملة للتعامل مع أي حالات شكوى أو تظلم تمس هاذين المبدأين في بند منح الأجور والمميزات عند التوظيف وحال الزيادة.

2- ضمان تطوير هيكل احترافي وملائم للأجور والرتب الوظيفية “Grading & Pay Scale” يشكل مرجع لعمليات التوظيف ومرجع لقرارات الزيادة والترقية، ويساعد على الحد من الاجتهادات غير المنضبطة من قبل المدراء عند التوظيف أو الزيادة والترقية.

3- ضرورة اهتمام الإدارة العليا للشركة، بتفعيل الأدوات المهنية في التوظيف ومن ذلك الالتزام بتحديد مسبق لنطاق أجور الموظفين الجدد قبل عميلة مقابلتهم واستقطابهم.

4- ضرورة اهتمام الإدارة العليا للشركة، بتفعيل الأدوات المهنية وأفضل الممارسات في إجراءات الزيادات والترقيات، ومن ذلك نظام محكم لتقييم الأداء، وآلية قوية لاتخاذ قرارات الزيادة والترقية تضمن العدالة وتضبط الاجتهادات غير الجيدة أو العشوائية للمدراء.

5- إن من أقوى سبل الضبط والتحكم بقرارات الموارد البشرية هو وجود لجنة عليا للموارد البشرية “Staffing Committee” برئاسة الرئيس التنفيذي وعضوية مدير إدارة الموارد البشرية ومدراء الصف الأول، مهمتها ألا تتدخل بالجوانب التشغيلية لإدارة الموارد البشرية وإنما تراجع ولو بشكل ربع سنوي أو عند الحاجة القرارات الحرجة والمؤثرة في الجوانب الخاصة بالموظفين ومن أبرزها مراجعة التقرير الإحصائي لتقييم الأداء والوقوف على الحالات المتميزة والممتازة وكذلك حالات ضعيف جداً وغير مرضي، والوقوف على الشكل الكلي لتوصيات الزيادات والترقية والأهم من كل ذلك التأكد من انعكاس قيمتي العدالة والاتساق على الممارسة.

6- ضرورة اهتمام الإدارة العليا للشركة، بإجراء فحص دوري لا يقل عن مرة كل عام لاستقصاء أي إشكالات في هذا الباب، حتى تبقى المشكلات كحالات نادرة وفلتات ولا تتحول إلى ظاهرة في بيئة العمل وحالات متكررة.

7- التأكد من وجود وسيلة وطريقة لإيصال صوت الموظف وتظلمه، قبل أن يصل الممتاز منهم أو المتميز إلى نقطة المغادرة بصمت، بل وقد يغادر دون أن نجري معه مقابلة مغادرة “Exist Interview” نتعرف من خلالها – على الأقل – على المشكلة لتحسين وجه المستقبل.

ثانياً: الحلول والمعالجات بالنسبة لإدارة الموارد البشرية

اهتمام مدير إدارة الموارد البشرية وفريق عمله – كجهة فنية صاحبة اختصاص وصلاحية فنية – بالجوانب التالية:

1- تثقيف وتدريب المدراء والمشرفين وتوعيتهم بشكل دائم حول الممارسات والسلوكيات المثلى في التوظيف والزيادة والترقية والتحفيز والمكافأة بما يتسق مع قيمة العدالة “Fairness” والاتساق “Consistency”، ومن يعمل في المجال يدرك أن التذكير الدائم ينفع وله أثر وقائي في الحد من الممارسات الخاطئة.

2- ضبط مساحة الاجتهاد والارتجال من قبل المدراء في بعد أجور التوظيف والزيادات غير العادلة، والحد من العبث في مالية الشركة بشكل قد يؤثر سلباً على المدى المتوسط والبعيد، إذ يلزم أن تتناغم الأجور مع عرف النشاط والصناعة، والاستفادة من توظيف بند الحوافز المقرونة بالأداء كمكمل عادل ومنطقي لبند المميزات الوظيفية والبعد عن الاتكاء على الدوام على بند الزيادات فقط.  

3- الاهتمام بجودة الوصف الوظيفي كمرجع لمتطلبات الوظيفة والتوظيف، ورفع مستوى وعي المدراء بمحتواه وتقييم الموظفين من خلاله وبالتالي النظر والحكم  على أي مرشح جديد مقارنة بمتطلبات الوظيفة مع مساحة متروكة للإبداع والإضافة على الأساس لتكون تقييم ومقارنة الجديد بالموظف الحالي عادلة ومنطقية.

4- توعية الموظفين سواء التوعية العامة أو الحوار الفردي عند وجود حالات تشكي أو تظلم أو تذمر منطقية أو ربما غير منطقية جاءت كنتيجة عقد مقارنة خاطئة بنى الموظف عليها استحقاق للذات ثم عكسه على سلوكه وأدائه معتقداً بأن له حق مكتسب لم يتحصل عليه. إن هناك جانب أكثر تعقيداً من المشكلة هو أن بعض الموظفين قد لا يقف في المقارنة بينه وبين زميله، بل يقارن جودة أدائه وعمله ربما بمديره وذلك لمجرد كونه يتقن – فنياً – جانباً تخصصياً ببراعة ومهارة أعلى من مديره مثلاً كمحاسب متقن بدرجة عالية لبناء النماذج المالية “Financial Modeling” بمراحل أعلى من مديره، أو فني صيانة يتقن ببراعة الفحص والمعالجة أفضل من مدير إدارته، أو آخر يحسن فن الإلقاء وتقديم العروض أفضل من مديره ولربما يكون ضعيفاً في التحليل واتخاذ القرار إلخ … متناسياً الأول أن الإدارة المالية ليست مجرد بناء قوالب ونماذج مالية وحركات على الإكسل!، والثاني أن إدارة الصيانة ليست مجرد فحص وإصلاح مكنة أو جهاز، والثالث أن الإدارة ليست كلام وعرض احترافي فقط … وهكذا لحالات مشابهه في إدارات أخرى، فالمقارنة فاسدة من حيث المبدأ والأمر بحاجة لتوعية وحوار لمثل هذه الحالات.

5- العمل كجهة اختصاص على تطوير وتفعيل دليل احترافي للموارد البشرية، يتضمن هيكل للرتب الوظيفية والأجور ودليل تشغيلي للتوظيف “Recruitment SOP” يتضمن كافة المعايير والإجراءات كإجراءات المقابلة من قبل لجنة، يكون أحد أعضاءها المدير المباشر يشاركه أخصائي / مدير الموارد البشرية يدعمهم ثالث من المؤهلين على إجراء المقابلات بما يضمن أن قرار التوظيف هو قرار جماعي وغير متروك لذائقة المدير المباشر فقط لمجرد مقابلة مرشح يجيد التسويق لنفسه ويفرض منطقه على صاحبنا ويدفعه لقرار توظيف عاطفي حماسي يربك المشهد والمنظومة … فليس كل ما يلمع ذهباً، كذلك تضمن إجراءات التوظيف تقيد لجنة المقابلة والتوظيف بالموازنة التقديرية لأجر الوظيفة وعدم الخروج عن النطاق المتاح كأجر ورتبة وظيفية دون مبررات وأسباب تجمع عليها لجنة المقابلة.

6- العمل كجهة اختصاص على الفحص الدوري والدائم والقيام بعميلة استقصاء واستبيان وبطرق معروفة لمستوى الرضى الوظيفي وملاحظات الموظفين والمدراء باعتبار الجميع عملاء وأطراف أصحاب مصلحة، يجب علينا أخذ انطباعاتهم والعمل على تحقيق مستوى من الرضى -ما أمكن وفي الحدود الموضوعية والعادلة للموظف وللشركة.

ثالثاً: الحلول والمعالجات بالنسبة للموظف المشتكي والمتذمر

1- الميزات شأن تعاقدي وتم بتراضي الطرفين خاصة في بداية الاتفاق وبدايات التحاق الموظف بالشركة فلا يليق أن يضع الموظف افتراضاً غير منطقياً بأنه يستحق أكثر بمجرد معرفته لمعلومة عن أجر فلان من زملائه … نعم المقارنة بجانب منها هي طموح لا بأس به ومؤشر لغيره إيجابية مقبولة شريطة ألا تنعكس على أخذ موقف سلبي من العمل والأداء أو من زميل آخر أو تعمد عدم التعاون لذات السبب، فما يتقاضاه الموظف هو شأن تعاقدي وما يحصل عليه هو أو غيره هو محض فضل من الله ورزق يسوقه الله لمن شاء.

2- التقييم الموضوعي: تأكد أن تقييمك للمشهد موضوعي وليس تقييم مغلوط ونظرة مبالغ فيها للذات، وأفضل ما يمكن عمله للتأكد من ذلك إما بالحوار والحديث مع مديرك أو بعض الزملاء الذين تثق بأنهم موضوعيين ولن يجاملوك برأي غير صادق. المهم ألا تبقي الفكرة والأمر حبيس النفس، وعند الحديث مع مديرك تحرى الموضوعية والمهنية شعارك “البحث عن النقص أو أوجه القصور لديك لتُحسِّن منها” وتحاشى الحديث عن الآخرين – إلا ما ندر وعند الضرورة التي يفرضها المحاور لا أنت –  ولا تنِّصب نفسك مقيماً لأداء زملائك لمجرد كونهم أعلى مميزات منك، فهذا الطرح لن يخدم مهمتك وسيبدو فيه شبهة شخصنة أو شيء من الحسد، أو هكذا قد يُقرأ المشهد … ولتكن الغاية من هكذا نقاش هو التأكد من صحة فكرتك وأن تقييمك لذاتك صحيح وكذلك سيشكل نقاشك مع مديرك تحريك للفكرة في ذهنه تسهم مستقبلا في معالجة أي وضع للأفضل.

3- الأداء جزء من الذات: تحت أي ظرف ولأي سبب أو أسباب لا تسمح لنفسك بتقديم أداء ضعيف أو تقصر في أداء واجباتك والتزاماتك، وتذكر “الأداء جزء من هويتك ولا يجب أن يكون نتيجة وردة فعل لظروف العمل your performance is NOT a function of work conditions” وما يجب عليك فعله هو الاستمرار بتقديم أداء عالي، بل قدم أعلى ما يمكن بالتوازي مع الجدل والحوار لتجويد بنود الاتفاق والمميزات، ولك أن تصعد وبشكل مهني إلى المستوى الإداري الأعلى – عند اخفاق مديرك المباشر بدعمك – سواء نهاية العام أو قبل انتهاء فترة العقد … وعندها يجب أن تجيد حساب صحة الخطوة وأن تكون مستعداً لكل السيناريوهات المحتملة ومنها البحث عن مكان بديل، ويبقى الطرح والتصعيد حق مشروع ما دمت تعتقد أنك نجم والسماء الحالية مظلمة أو حالكة الظلمة بحقك، فانتقل لسماء يبرز فيها نجمك، فقط تأكد من سلامة التقييم وحساب الخطوة.

4- لدعم موقفك التفاوضي فكر دوماً بفرص تحسين الغد من خلال التالي:

4.1 اجعلها قاعدة #1 ترجع لها دوماً: أداءك الممتاز أو المتميز ووفاءك بالتزاماتك أمر لا يُمس بحال من الأحوال، فهو خسارة للذات أو جزء من الذات، بل وركز مع الأداء العالي على الإبداع والاجتهاد في إتقان وفهم التفاصيل الفنية لعملك وإجراءاته واجتهد للوصول لمستوى من الإتقان المهني “Technical Mastery” بل والأستاذية في مهنتك مهما كانت بسيطة، كل ذلك مما يعزز موقفك دوماً ويرفع من قيمتك لذاتك وقيمتك السوقية.

4.2 تقدير قيمة العمل: استمتع بعملك أياً كانت الوظيفة وما تتقاضاه من أجر، فميزان الأرزاق في جانب منه سعي وأسباب وفي جانب منه رزق قد لا يُغني معه السعي لو لم يُكتب لك الآن أو تأجل جزء منه، والعمل بحد ذاته نعمة من الله ذو النعم التي لا تُعد ولا تٌحصى، يزيد بالشكر وشيء من السعي لا التذمر وإدمان التذمر، وإن اعطاك الله فرصة عمل فقد حُرم منها ألوف ممن حولك … بل وملايين كُثر.

4.3 الحرص على فهم توقعات مديرك ورئيسك المباشر، واسأله دوماً عن توقعاته وعن المستوى العالي من الرضى كمدير مباشر حتى يقيمك معه بدرجة ممتاز؟!، الكثير يغفلون عن ذلك ولا يدركون أثر وأهمية تبادل النقاش حول التوقعات “Leading By Expectations” … فالتوقعات ستصبح مرجع يحكم الطرفين في تعريف وتفسير الممتاز والمتميز وعكسه الضعيف، وستشكل التزام على مدير فمعظم الناس تحترم كلمتها إذا صدرت، ومن الذكاء واللطيف بعد فهم توقعات مديرك وبالتوازي مع الوفاء العملي بالتزاماتك، أن توجه له وبشكل دائم رسالة واضحة مفادها “أتوقع دعمك”.

4.4 من الفطنة والذكاء أن تقدم تقارير موجزة ومختصرة عن عملك، بالطبع يستلزم ذلك أن تحرص على تدوين رؤوس أقلام بشكل جانبي كمفكرة يوميه تقوم بتلخيصها وتحليلها نهاية الأسبوع أو الشهر، سمِّه ملخصَ أداء “Business KEY Highlights”،  أو تقرير من خلال نماذج التقارير المعتمدة -إن وجدت – فالتقرير هو وسيلة مهنية وذكية لتوثيق عملك وإنجازك وجهدك بما في ذلك أي مبادرات ليست من طبيعة الوظيفة بشكل مباشر، إن التقارير المهنية وبشكل تراكمي أسبوعي، شهري وسنوي تقدم سجلاً حول أداءك “Performance LOG” يدعم مهمتك التفاوضية نهاية العام وعند عمل تقييم الأداء السنوي ويدعم قضية مديرك في أي مرافعة مع إدارته أو الموارد البشرية، وقبل مغادرة هذه النقطة المؤثرة – على الأقل من وجهة نظري – تذكر يا أفندي أن ذاكرة مديرك ليست خازن بيانات يدون فيها تفاصيل أدائك وأداء زملائك، فعليك تقع مسؤولية ذلك … والتقارير وسيلة فعالة في هذا البعد.

4.5 الاهتمام والحرص على التطوير الذاتي من خلال إضافة واكتساب مهارات فنية و/أو إدارية من خلال المتوفر من سبل ومصادر التعلم المتاحة سواء المدفوعة أو المجانية، والكادر البشري الممتاز هو في عملية تعلم مستمر … ولتقنيين ذلك وقياسه، ليكن لك في كل 3 أشهر ولو مستهدفاً واحداً تسعى لتطويره، والتطوير الذاتي مع تقديم أداء ممتاز هو من مفاتيح التطوير المهني وما يتصل به من قيمة الذات والقيمة السوقية، وكل مهارة هي إضافة وسلاح يسهم في ملحمة تطوير المسار المهني والوظيفي.

في الختام لقد بنيت المقالة على ملاحظة كثيراً ما تتكرر أمامي، قدمت فيها اجتهادي في وصف الأسباب، وفتحت الباب دون أن أوصده لنقاش بعض الحلول والمعالجات، بما أرجو أن يسهم في تناول إشكالية تعكر بدرجة ما أجواء وبيئة العمل والحالة المعنوية لكوادرنا.

تابع قراءة الجزء الأول من المقال ” راتب زميلي أعلى من راتبي [1] المشكلة وأسبابها”

هل لديك أي سؤال حول هذا الموضوع؟ تواصل معنا

مشاركة المقالة

فكرتين عن“راتب زميلي أعلى من راتبي..!! [2] الحل والمعالجات”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

فتح محادثة سريعة
تحتاج للمساعدة؟
السفياني لاستشارات الأعمال
مرحباً..
للرد السريع من فضلك أرسل لنا عبر الواتساب.